ليس الود في جوهره مجرد عاطفة تُمنح أو تُسحب، بل هو اختبار لثبات الروح، ومن يتقلب وده لا يفضح عاطفته فحسب، بل يفضح رؤيته للعالم؛ إذ يرى العلاقات مساحات مؤقتة، وأدواراً قابلة للاستبدال، وظلالاً لا تستحق أن تستقر طويلاً عند نقطة واحدة.
إن متقلبي الود يشبهون الزمن في أشد صوره اضطراباً لحظة غيم كثيف، ولحظة صفاء مُخادع، هم أبناء اللحظة، أسرى انفعالاتها، لا قدرة لهم على حمل معنى الاستمرار، لذلك يبدو قربهم جميلاً في بداياته، لكنه قرب بلا ذاكرة، لا يحفظ أثر قدميك ولا يخلد دفء حضورك.
من منظور فلسفي، يمكن القول إن التقلب في الود هو نوع من النقص الوجودي؛ نقص في القدرة على الاعتراف بالآخر كقيمة لا كوظيفة، فالعلاقة عند هؤلاء ليست فضاءً للتبادل الإنساني، بل مرآة لمزاجهم، إن احتاجوا لمعنى حضروا، وإن استغنوا انصرفوا، كأن الآخر تفصيلة في سرديتهم لا في وجوده الخاص.
غير أن الثبات ليس سمةً سهلة، الثبات يتطلب نضجاً روحياً؛ يتطلب أن نكون قادرين على حمل أنفسنا أولاً، ثم حمل روابطنا مع الآخرين، من هنا فإن ثابت الود ليس كائناً مثالياً، بل كائن يتحمل مسؤوليته العاطفية؛ يعرف أن الود عقد، وأن العهد لا يُنقَض كلما تبدل الإحساس.
والمفارقة أن متقلبي الود كثيراً ما يظنون أنهم أحرار؛ أن تقلبهم تحرر من الالتزام ومن ثقل الاعتراف، ولكن أي حرية تلك التي لا تنتج سوى عزلة؟ أي تحرر ذاك الذي يجعل الإنسان عابراً في حياة الجميع دون أثر، دون امتداد ودون معنى؟
نحن لا نرفض متقلبي الود لأنهم يتغيرون، بل لأنهم يفقدون القدرة على أن يكونوا مرآة صادقة لما يربط البشر ببعضهم، حاجة إلى الطمأنينة، إلى الحقيقة، إلى وجهٍ لا يتبدل حين تتبدل الأيام، لهذا تبقى الحكمة الهادئة: أن نحب بعمق ولكن بحضور العقل؛ أن نفتح أبوابنا، ولكن لا نتركها بلا حارس؛ ان نسمح للأرواح بالاقتراب، لكننا لا نجعل ثباتنا مرهوناً بتقلب من لم يعرف يوماً معنى الثبات.
اترك تعليقا:
