في كل علاقة إنسانية مهما بدت بسيطة أو عابرة، يظل الثبات قيمة نادرة، ويظل الصدق عملة يصعب العثور عليها، ولعل أكثر ما يرهق القلب أن يجاور أرواحاً لمتقلبي الود؛ أولئك الذين يمنحوننا ابتسامة في الصباح ويسحبونها عند المساء، ويُمسكون بأيدينا ساعة ثم يتركونها ساعة أخرى، كأن الود لديهم حالة طقس لا قرار لها.
متقلبوا الود لا يأتون دفعة واحدة، بل يتقدمون بخطوات مطمئنة نخالها ثباتاً، يُجيدون البدايات، يفتحون الأبواب بالكلمات الدافئة، ويجعلوننا نظن أن المودة عندهم جذر ممتد، لكن ما إن تمتحنهم الأيام، أو تلوح لهم مصلحة عابرة، حتى ينسحب دفؤهم كأن لم يكن، ويُعيدون تشكيل ملامحهم وفق ما يناسبهم لا وفق ما يستحقه الآخر.
وليس التقلب في الود مجرد تبدل مشاعر، بل هو في جوهره غياب مسؤولية، وافتقار إلى صدق داخلي يربط القول بالفعل، فالقلب الصادق وإن ضعُف أو تأذى يبقى واضح الاتجاه، لا يتلون في كل لحظة، ولا يصنع علاقةً على حساب قلب آخر.
الأرواح التي تعرف معنى الثبات تدرك أن الود لا يُشترى بالمزاج، ولا يُقاس بدرجة حرارة اللحظة، الود فعل يُمارس وسلوك يُحافظ عليه، لا عاطفة تتبدل كلما تغير الهواء، لذلك فإن التعامل مع متقلبي الود يحتاج إلى وعي كبير، أن نضعهم في مساحة آمنة لا تُمكنهم من جرحنا، وأن نحسن الظن دون أن نمنحهم مفاتيح روحنا.
يظل الثابتون في الود هم الذين يستحقون أن نُبقيهم قريبين؛ أولئك الذين لا يغيرهم غياب أو خلاف أو مزاج عابر، أما المتقلبون فيكفي أن نتعلم منهم درساً واحداً، أن القلوب لا تُؤتَمن إلا لمن يعرف أن الود عهد لا يُغيره الهوى.
اترك تعليقا:
