الذين يجرحوننا من غير أن يفكروا في مساحة الجرح الذي خلفوه في داخلنا، علينا آلا نملأ جروحهم خلفهم إلا بأحذيتنا، فقد كنــت أعتـــقد أن أسـوأ شـــيء فـي الحيـاة، هــو أن يبقـى الإنسـان وحيـداً، لكننــي اكتشفــت أن أســوأ شــيء فــي الحيــاة، أن يعيـــش الإنسـان مـــع أشخـاص يجعلــونــه يشعــر بــأنــه وحيــداً، فلا تندموا علــى ما قدمتم لهـــم، بـل افتخروا أنكم كنـتم ومــازلتم إنساناً يحمل قلباً من بين أنــاس لا قلـوب لهـم، فالبعض لم نكبر معهم ولم يجمعنا بهم طريق ولا مقعد في طائرة ولا استراحة في محطة عابرة، لكن وجودهم يشعرنا بالفرح، ويزرع فينا غيابهم غابات من الحزن والفقد.
في مجتمع مهوس بالتواصل بين الناس، أصبح الأشخاص الذين يعيشون وحدهم يثيرون الإعجاب لدى غيرهم بسبب قدرتهم على الاستقلال بذاتهم والإعتماد على أنفسهم، فاستقلاليتهم هذه تكشف قوة كبيرة في الشخصية بشرط أن يكون لهم كل فترة بعض الأنشطة الإجتماعية، أما إن كان عكس ذلك، فإن انعزالهم بأنفسهم يعد خوفاً من الحياة الإجتماعية.
فهناك نوعاً من الاكتفاء ينبع من طريقة التربية التي تلقها الإنسان في الطفولة، فإذا كان الأهل يقولون للطفل أنه الأذكى والأقوى، فإن هذا الطفل سيقول لنفسه: لماذا إذاً أتجه نحو الآخرين فلن يضيفوا لي شيئاً، فعندما لا تزرع التربية في الطفل معنى المشاركة واكتشاف الآخر، فإن الطفل ينمي في داخله نوعاً من الأنانية التي يمكن أن تظهر من خلال عزلته عن الآخرين، وعلى المدى الطويل سيتطور هذا إلى شكل مرضي، حيث يخاف من لقاء الآخرين لأنه يعتقد أن أي لقاء قد يجعله يبدو تافهاً.
لا يمكن لأحد ان يحقق الاكتفاء بذاته وحدها، ومحبي الوحدة يبحثون عن حجج عقلانية رفضاً منهم لأن يعترفوا بالسبب الحقيقي وراء عزلتهم وهو الخوف من الآخرين، وممكن أن يكون هذا القلق الإجتماعي وراثياً أو تربوياً، فعندما يقول الأهل للطفل لا يجب أن تثق في أحد، فإنه سيكبر وهو يحب الوحدة والانعزال.
وهناك أسباب كثيرة ممكن أن تدفع البعض إلى تفضيل قضاء معظم الوقت مع نفسه، وممكن أن يكون ذلك ناتجاً عن ذكرى سيئة حصلت معهم في طفولتهم، فعندما تكون تجارب المواجهة الأولى مع الآخرين مؤلمة تخللها الفشل، يكبر الإنسان على حب حياة الوحدة والإبتعاد عن الآخرين، أو من يعرفون أنفسهم أنهم تابعين عاطفيين للآخرين، فيتجنبوا العلاقات معهم خوفاً من الوقوع في حالة تبعية عاطفية لأحد، لذلك يفضلون أن يبقوا وحيدين على أن يعيشوا من جديد ألم الانفصال كما عاشوه في السابق.
إن كنتم من هؤلاء الذين يفضلون الوحدة، فاعلموا أنكم كلما تجنبتم لقاء الآخرين، زاد خوفكم من المناسبات الإجتماعية ومن لقاء الناس والجلوس معهم، وزاد لديكم الإنطواء، فعليكم أن لا تكونوا سلبيين وقوموا بالمباردة بالدخول في علاقات إجتماعية، كونوا جريئين وابحثوا عن الأشخاص الذين يستحقون ثقتكم، كونوا منفتحين عليهم، تقربوا منهم واسألوهم عن أحوالهم كل فترة، اخرجوا معهم..
وإلى من يعرفون أشخاص يحبون الوحدة، عليكم أن تقتربوا منهم وجهوا لهم الدعوات، اخرجوا معهم، حدثوهم عن مخاوفكم الشخصية وعن تجاربكم الإجتماعية، عبروا لهم عن صداقاتكم وثقتكم بهم، لأن هذا سيمكنهم من أن ينظروا إلى الأمور نظرة نسبية، ويبدأون بالتخلي عن وحدتهم .
ومن فوائد الوحدة وأسباب السعي وراءها:
ـ تسمح لنا بإعادة تنظيم دماغنا، الأمر الذي يستحيل تحقيقه إن كنا محاطين طوال الوقت، فالوحدة ستساعدنا على تطهير دماغنا وجسدنا في آن واحد من كل مصادر الإلهاء والضغوط والأحداث حتى الإيجابية منها.
ـ تزيد من تركيزنا وقدرتنا على الإنتاج، لأننا لسنا مضطرين إلى اقتسام واجتزاء طاقتنا على الآخرين، بل أننا نستغلها لنا وحدنا في عملنا ونشاطنا، ما سيزيد في فرص نجاحنا كما من قدرتنا على التحكم بالوقت.
ـ تمنحنا الفرصة لنتعرف على ذاتنا، لأننا بعيدون حينها عن أحكام الآخرين وآرائهم وتوقعاتهم. فتكون حركاتنا وتصرفاتنا أكثر حرية لأننا ببساطة لسنا مضطرين إلى إرضاء أحد.
ـ توفر لنا الوقت للتفكير، فالنشاطات اليومية الروتينية في العمل أو في العلاقات الاجتماعية تكاد تنسينا إن كنا راضين عن أنفسنا، فنصبح كرجل آلي يتحرك من دون تفكير، فيما تبقى ميزة الوحدة جعلتنا نفكر وبالتالي تصبح أكثر قدرة على الخلق والتغيير.
ـ تساعدنا على حل مشاكلنا بفاعلية، فمن الصعب التركيز على الحلول التي تناسبنا في ظل آراء ونصائح تأتي من كل حدب وصوب، فتشوّش أفكارنا وربما تساهم في تفاقم المشكلة بدل حلّها.
ـ تحسن من نوعية علاقاتنا بالآخرين ولعلها النقطة الأهم، فكلما أخذنا الوقت لفهم مخاونا ورغباتنا وطباعنا، أصبحت اختياراتنا أكثر صحة ونضوجاً وبالتالي أكثر سعادة.
ها هي الوحدة إذاً عبارة غير مخيفة كما نعتقد، بل هي مفيدة أيضاً في بعض الأحيان، لكن رغم تلك الأبحاث والوقائع، يبقى الإنسان جاهلاً التعامل مع ذلك العدو- الصديق، خصوصاً إذا شعر به وهو محاط، فالوحدة ليست محصورة فقط بالوضع الجسدي، أي بعدم وجود كائن إلى جانبكم، ألم يسبق أن شعرتم بالوحدة وأنتم في علاقة عاطفية؟ أو حتى بين أصدقائكم؟ يبقى من الضروري إيجاد السبل الصحيحة للتعامل مع ذلك الشعور لتحويله من شيئ مخيف خارج عن سيطرتنا إلى صديق وفيّ، لأنه في الواقع لا علاقة له بالظروف الخارجية بل هو حالة وحاجة داخلية تعنبنا نحن وحدنا.
اترك تعليقا:
