-->
مساحة إعلانية

الاثنين، 20 يوليو 2026

ميزان الروح

 


 


ما أثقل أن يحمل الإنسان وجهين في روحٍ واحدة. 

وجهٌ يعرفه الناس: صارمٌ جاد، لا يعرف التوقف ولا التأجيل. وجه المحارب الذي يمضي في دروب الحياة بظهرٍ مستقيم، يحمل المسؤوليات بصمت، ويحارب رغباته لأجل الأولويات، ويكمل الطريق رغم التعب والمشاق. وجهٌ لا يشتكي ولا يلتفت، لأنه إن توقف سقط كل شيء.

 

ولكن في لحظةٍ ما، في منتصف الزحام، يتعب هذا المحارب فيخلع درعه ويجلس مع نفسه. وحينها يظهر الوجه الآخر، الوجه الذي طال كتمانه. وجه الإنسان الذي في داخله طفل صغير يشتهي أن يُدلل وأن يلعب وأن يُحب وأن يحقق ما أجّله طويلاً. طفلٌ كان صوت العقل يعلو عليه طيلة الوقت، فيهمس له الآن برفق: "استرخِ واسترح قليلاً. أنت إنسان، فارفق بنفسك يا صديق. لست روبوتاً تتلقى الأوامر من ذلك العقل الذي أتعبك، وحرمك من الاستمتاع بحياتك، وأصم أذنيك عن سماعي. لقد تعبت... دعني أتنفس."

 

في تلك اللحظة يدرك أن الصلابة وحدها لا تبني حياة، وأن السير بلا توقف لا يعني الوصول. فالعقل الذي قاده بعصا "يجب" و "لا وقت" قد أنهكه، وأطفأ في قلبه بهجة الأشياء الصغيرة.

 

إن الحكمة لا تكون في أن نلغي أحد الوجهين، بل في أن نمنح لكلٍ منهما وقته وحقه. فلنعمل بجدية المحارب حين ينادي الواجب، ولنصغِ لبراءة الطفل حين ينادي القلب. فالمسؤولية بلا روح تصبح سجناً، والحرية بلا التزام تصبح ضياعاً. 

لسنا آلاتٍ خُلقت للإنجاز وحسب، ولا أطفالاً تائهين في اللهو. نحن بشر، فينا من الصلابة ما يُقيم الحياة، وفينا من الرقة ما يُعطي للحياة معناها.

 

بقلم  الكاتبة / سارة سعد

شارك المقالة عبر:

اترك تعليقا:

الاكتر شيوعا