متابعة / وائل مصبح
مدير الديسك المركزى
د. ممدوح محمد سلامة ود. إسماعيل إبراهيم الشربيني.. مشروع فكري جديد في رحاب القرآن
إعداد / د. محمد أحمد محمود غالي
من معامل MIT وصناعة النفط إلى علوم التدبر والتربية الأزهرية.. شراكة تجمع خبرة البحث العلمي بالخبرة التعليمية في مشروع يسعى إلى قراءة القرآن الكريم في ضوء هدايته وبناء الإنسان
ليست كل الرحلات العلمية تسير في طريق واحد؛ فبعضها يبدأ من تخصص دقيق، ثم يتسع مع مرور السنوات ليصبح مشروعًا معرفيًا أكثر رحابة. وهذا ما تكشف عنه سيرة الدكتور ممدوح محمد سلامة، المهندس والباحث والكاتب في الدراسات الإسلامية، الذي امتدت رحلته من مصر إلى الولايات المتحدة، ومن مقاعد كلية الهندسة بجامعة عين شمس إلى أروقة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT، ثم إلى عالم صناعة النفط والطاقة والبحث الهندسي، قبل أن يتجه بصورة متزايدة إلى التأليف والمحاضرات والدروس في الفكر الإسلامي وتدبر القرآن الكريم.
وفي امتداد لهذه الرحلة، يأتي التعاون مع الدكتور إسماعيل إبراهيم الشربيني، مدير عام الإدارة العامة للشؤون الفنية التعليمية بقطاع المعاهد الأزهرية، ليضيف إلى المشروع بُعدًا تربويًا وأزهريًا، ويجمع بين خبرة البحث العلمي والهندسي والخبرة التعليمية في مؤسسة عريقة كالأزهر الشريف.
إنها مسيرة تجمع بين عالمين قد يبدوان للوهلة الأولى متباعدين: الهندسة بما تفرضه من دقة وتحليل وبحث، والتدبر بما يفتحه من آفاق للتأمل والسؤال والبحث عن المعنى.
د. ممدوح سلامة.. البداية من القاهرة
بدأ الدكتور ممدوح محمد سلامة رحلته العلمية في مصر، حيث التحق بكلية الهندسة بجامعة عين شمس، وتخصص في الهندسة الميكانيكية، وتخرج فيها بتقدير امتياز.
وفي عام 1970، انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية لاستكمال دراسته العليا، فالتحق بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT، وحصل منه على درجتي الماجستير ودكتوراه العلوم في الهندسة الميكانيكية.
وكانت هذه المرحلة تأسيسًا علميًا لمسيرة مهنية طويلة، اكتسب خلالها خبرة عميقة في البحث الهندسي والتطبيقات الصناعية المتقدمة.
مسيرة في عالم النفط والطاقة
انخرط الدكتور ممدوح سلامة بعد ذلك في الحياة المهنية، وشغل عددًا من المناصب الفنية والإدارية والقيادية في قطاع النفط والطاقة.
وعمل مع شركة كونوكو فيليبس (ConocoPhillips) العالمية، في مجالات ارتبطت بالتميز في الإنتاج العالمي وإدارة سلامة خطوط الأنابيب والمنشآت البحرية، إلى جانب مجالات هندسية متخصصة، من بينها هندسة المواد وسلامة الأصول والمنشآت الهندسية.
ولم تقتصر إسهاماته على الجانب التنفيذي، وإنما امتدت إلى البحث والتطوير والابتكار؛ إذ تشير سيرته إلى نشر أكثر من مائة بحث علمي وفني، والحصول على خمس وعشرين براءة اختراع، إلى جانب المشاركة في تحرير عدد من الكتب والمراجع الهندسية، والحصول على عدد من الجوائز والتقديرات المهنية.
ومن المحطات البارزة في مسيرته المهنية اختياره زميلًا مدى الحياة (Life Fellow) في الجمعية الأمريكية للمهندسين الميكانيكيين ASME، بما يعكس المكانة التي بلغها في مسيرته الهندسية والعلمية.
من سؤال الهندسة إلى أسئلة الإنسان
لكن قصة الدكتور ممدوح سلامة لا تتوقف عند الهندسة.
فإلى جانب مسيرته المهنية، ظل اهتمامه بالدراسات الإسلامية وتدبر القرآن الكريم حاضرًا، ومع مرور السنوات أصبح هذا الجانب أكثر وضوحًا في مشروعه الفكري.
وهنا تظهر خصوصية تجربته؛ فالعقل الذي أمضى عقودًا في البحث الهندسي والتعامل مع المشكلات المعقدة وتحليل الأدلة، وجد في القرآن الكريم مجالًا آخر للتأمل والبحث والسؤال.
ولا يرى الدكتور ممدوح سلامة أن انتقاله إلى الدراسات الإسلامية يمثل قطيعة مع تجربته الهندسية، بل يرى أن المنهج الذي اكتسبه من البحث العلمي يمكن أن يسهم في بناء طريقة أكثر تنظيمًا في القراءة والتأمل؛ من خلال طرح الأسئلة، وجمع الأدلة، والتأني في النتائج، والاستعداد الدائم للمراجعة.
الدكتور إسماعيل إبراهيم الشربيني.. الخبرة الأزهرية والتربوية
في الجانب الآخر من المشروع، يأتي الدكتور إسماعيل إبراهيم الشربيني، الذي يشغل حاليًا منصب مدير عام الإدارة العامة للشؤون الفنية التعليمية بقطاع المعاهد الأزهرية.
ويمثل موقعه في قطاع المعاهد الأزهرية إضافة مهمة إلى المشروع، ولا سيما أن عددًا من موضوعاته المنتظرة يرتبط بالتربية والتعليم وبناء الوعي وتنمية التفكير، إلى جانب قضايا القرآن الكريم والهداية.
ومن خلال هذه المشاركة، يلتقي المسار البحثي للدكتور ممدوح سلامة مع الخبرة التعليمية والأزهرية للدكتور إسماعيل الشربيني، في محاولة لبناء مشروع فكري يجمع بين المعرفة والبحث والتربية.
مشروع فكري جديد في رحاب القرآن
ينتظر أن يثمر التعاون بين الدكتور ممدوح سلامة والدكتور إسماعيل إبراهيم الشربيني عن مجموعة من المؤلفات التي تتنوع موضوعاتها، لكنها تلتقي حول القرآن الكريم والتدبر والهداية وبناء الإنسان.
ومن أبرز العناوين المنتظر تأليفها:
«بأسمائه نَهتدي: رحلة إلى غاية الخلق وسرّ الحياة»
عمل يتجه إلى التأمل في أسماء الله الحسنى ودلالاتها، وما يمكن أن تهديه للإنسان في فهم غاية الخلق ومعنى الحياة.
«تدبُّر القرآن: في ضوء المفاهيم القرآنية»
ويتناول التدبر من خلال المفاهيم التي يقدمها القرآن الكريم، في محاولة للوصول إلى قراءة أكثر وعيًا بالمفاهيم القرآنية وروابطها ودلالاتها.
«جواهر القرآن: دُرَر الهداية من الثلاثين جزءًا»
ويحاول الوقوف على جواهر الهداية في أجزاء القرآن الكريم، وإبراز ما تحمله من معانٍ ودلالات يمكن أن تتصل بحياة الإنسان.
«القرآن: منهاج الحضارة وسبيل النجاة»
ويبحث في العلاقة بين الهداية القرآنية وبناء الإنسان والحضارة، وما يمكن أن تقدمه القيم القرآنية من رؤية للحياة والمجتمع.
«عقول حيَّة: تعليم الأطفال أن يسألوا: ماذا ترى؟»
وهو عنوان ذو طبيعة تربوية، يركز على تنمية عقل الطفل القادر على السؤال والملاحظة والتفكير، وتحويل التعليم من مجرد تلقي المعلومات إلى ممارسة للتفكير والاكتشاف.
«القرآن الكريم: مقدمة في بنائه، واستراتيجيته، ودراسته»
ويقدم مدخلًا لدراسة القرآن الكريم من حيث البناء والمنهج والاستراتيجية، بهدف مساعدة القارئ على تكوين رؤية أكثر تنظيمًا في التعامل مع النص القرآني.
«أولياء الله في ميزان القرآن: خصالهم كما تجسدت في الأسوة الحسنة، رسول الله ﷺ»
ويتناول مفهوم أولياء الله في ضوء القرآن الكريم، مع استحضار الرسول ﷺ بوصفه الأسوة الحسنة والنموذج المتكامل في تجسيد الهداية والقيم.
«من الفاتحة إلى الناس: المحور الأساسي لكل سورة»
ويبحث في المحور المركزي لكل سورة من سور القرآن الكريم، في محاولة لإبراز الوحدة الموضوعية والدلالة الأساسية التي تنتظم حولها السورة.
شراكة تجمع البحث العلمي والخبرة الأزهرية
تكشف هذه العناوين عن مشروع لا يقتصر على جانب واحد من جوانب الدراسات القرآنية، وإنما يتحرك في مساحة واسعة تجمع بين التدبر، والمفاهيم القرآنية، والتربية، والحضارة، وأسماء الله الحسنى، وبناء الوعي، وفهم محاور السور.
وتأتي أهمية التعاون بين الدكتورين من تكامل الخبرات؛ فالدكتور ممدوح سلامة يحمل خبرة طويلة في الهندسة والبحث العلمي والصناعة والابتكار، إلى جانب اهتمامه بالتدبر والتأليف الإسلامي.
بينما يأتي الدكتور إسماعيل إبراهيم الشربيني بخبرة في المجال الأزهري والتعليمي، من خلال موقعه مديرًا عامًا للإدارة العامة للشؤون الفنية التعليمية بقطاع المعاهد الأزهرية.
ومن شأن هذا التكامل أن يفتح مساحة للحوار بين الخبرة العلمية والبحثية من جهة، والخبرة التعليمية والأزهرية من جهة أخرى.
القرآن.. مشروع للإنسان
الجامع بين هذه الأعمال المنتظرة ليس مجرد دراسة القرآن الكريم بوصفه نصًا، وإنما محاولة النظر إلى القرآن باعتباره مصدرًا للهداية وبناء الإنسان.
ففي أحد العناوين يظهر سؤال غاية الخلق وسر الحياة، وفي آخر يبرز التدبر والمفاهيم، بينما يتجه مشروع آخر إلى علاقة القرآن بالحضارة، وآخر إلى التربية وتعليم الأطفال، وآخر إلى البحث في محاور السور.
وهذا التنوع يكشف عن رؤية تريد أن تجعل القرآن حاضرًا في أسئلة الإنسان الكبرى:
من نحن؟ ولماذا خُلقنا؟ وكيف نفكر؟ وكيف نربي أبناءنا؟ وكيف نبني حضارة؟ وكيف نهتدي في حياتنا؟
من المختبر إلى المنبر
ولعل العبارة التي تختصر جانبًا من تجربة الدكتور ممدوح سلامة هي: «من المختبر إلى المنبر».
في المختبر والعمل الهندسي، كان السؤال مرتبطًا بمشكلة تحتاج إلى فهم وتحليل وحل.
وفي مجال التدبر، أصبح السؤال مرتبطًا بالإنسان والحياة والقيم والهداية.
وبين المجالين ظلت قيمة واحدة حاضرة: البحث عن الحقيقة، واحترام الدليل، وعدم التسرع في إصدار الأحكام.
رحلة لم تنتهِ بعد
لا تمثل هذه الكتب المنتظرة نهاية المشروع، وإنما يمكن النظر إليها باعتبارها مرحلة جديدة في رحلة طويلة مع العلم والبحث.
رحلة بدأت من كلية الهندسة بجامعة عين شمس، وعبرت إلى MIT، ثم امتدت إلى صناعة النفط والطاقة والبحث والابتكار، قبل أن تتجه إلى عالم القرآن الكريم والتدبر والفكر الإسلامي.
واليوم تلتقي هذه الرحلة مع خبرة أزهرية وتربوية يمثلها الدكتور إسماعيل إبراهيم الشربيني، في مشروع يحمل طموحًا معرفيًا واضحًا، ويضع القرآن الكريم في مركز أسئلة تتصل بالإنسان والتربية والحضارة والهداية.
إنها شراكة تجمع بين خبرة المختبر وخبرة المؤسسة التعليمية، وبين عقل المهندس ونظرة المربي، في محاولة للاقتراب من القرآن الكريم لا بوصفه كتابًا يُقرأ فحسب، وإنما كتاب هداية يُتدبر، ومنهج حياة يُفهم، وقيم تُترجم إلى وعي وسلوك.
وحين يلتقي العقل الهندسي بالمنهج الأزهري، تبدأ رحلة جديدة للسؤال.. والبحث.. والتدبر.
اترك تعليقا:
