-->
مساحة إعلانية

الأحد، 31 مايو 2026

أسامة حراكي يكتب: بين الخندق والطاولة

 


 


الجنوب يحترق تحت جنازير الدبابات، والقرى تتشبث بأرضها كما تتشبث الأم بطفلها ساعة الخطر، احتل العدو الصهيوني منطقة مارون الراس، وهي أول حدود جنوب لبنان مع فلسطين المحتلة، ثم قلعة شقيف، ولا زال يتقدم في الجنوب، فمن تلال الحدود إلى الوديان المعلقة على حافة الريح، العدو يتقدم متراً بعد متر، يرفع أعلامه فوق الحجارة التي شهدت تاريخاً من الصمود والدماء.

 

في نشرات الأخبار نشاهد مشاهد قاسية؛ من أبراج المراقبة وسحب الدخان، ورايات الكيان المغتصب التي تحاول أن تفرض وجودها على أرض لم تعترف بها يوماً.

 

أما أهل الجنوب فيواجهون العاصفة بما يملكون من إرادة وإيمان، يدفنون شهداءهم ويعودون إلى مواقعهم، وكأنهم يعلنون أن الأرض لا تُسلَّم ما دام فيها قلب ينبض، وفي القاعات المكيّفة البعيدة عن رائحة البارود، الكلمات تُصاغ بحذر شديد، والبيانات تُكتب بلغة رمادية لا تشبه لون التراب المبلل بالدم، فهناك من كان يتحدث عن التهدئة، وعن الفرص الدبلوماسية، وعن ضرورة ضبط النفس، بينما القرى الحدودية تدفع ثمن كل دقيقة انتظار.

 

هكذا يبدو المشهد متناقضاً؛ رجال يقفون في الخنادق تحت النار، ورجال يجلسون خلف الطاولات تحت الأضواء، أولئك يدافعون عن الأرض بأجسادهم، وهؤلاء يفاوضون على مستقبلها بأوراقهم، وبين الخندق والطاولة الحقيقة واضحة: الأوطان لا يحفظها الكلام وحده، ولا تكفيها الخطب الرنانة، بل تحتاج إلى موقف يوازي حجم التضحيات التي يقدمها أبناؤها كل يوم.

"الصورة كانت عام 2011 في جنوب لبنان بمنطقة مارون الراس مع حدود الحبيبة فلسطين المحتلة".

شارك المقالة عبر:

اترك تعليقا: