تكيل دولة الاحتلال قانونياً وتشريعياً بمكيالين قبيحين، يصادق الكنيست على عقوبة إعدام الفلسطيني الذي يقتل إسرائيلياً، ويمنع تطبيقها على الإسرائيلي الذي يقتل نفساً فلسطينية! الدول العربية تستهجن القانون وهذا أضعف الإيمان، لكن انتقاده من قبل وزراء خارجية ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا، فيستحق التسجيل.
غير أن هذا التسجيل يظل في ميزان الواقع، أقرب إلى الإدانة اللفظية التي لا تُترجم إلى أثر سياسي أو قانوني ملموس، فالقضية هنا لا تتعلق بنص قانوني معزول، بل بمنظومة كاملة من التشريعات والممارسات التي تُكرس التمييز وتُعيد إنتاجه بشكل يومي، حين يصبح القانون أداة للتمييز، لا وسيلة لتحقيق العدالة، فإنه يفقد جوهره الأخلاقي، ويتحول إلى غطاء رسمي لسياسات القوة.
إن خطورة هذا التشريع لا تكمن فقط في ازدواجية المعايير، بل في رسالته الضمنية "حياة الفلسطيني أقل قيمة في ميزان العدالة" وهذه الرسالة حين تُقنن، لا تبقى حبيسة النصوص، بل تنعكس على سلوك الأفراد والمؤسسات، فتغذي مناخاً من الإفلات من العقاب، وتفتح الباب أمام مزيد من الانتهاكات.
ومن زاوية القانون الدولي، فإن مثل هذه التشريعات تصطدم بمبادئ أساسية، على رأسها مبدأ المساواة أمام القانون، وحق الإنسان في الحياة، وحظر التمييز على أساس العرق أو الهوية، لكن الإشكال المزمن لا يكمن في غياب النصوص الدولية، بل في غياب الإرادة لتفعيلها، فكم من قرارات صدرت، وكم من إدانات سُجلت، دون أن تُحدث تحولاً حقيقياً في الواقع؟
هنا يبرز سؤال جوهري: هل يكفي الاستنكار؟ أم أن المرحلة تتطلب ما هو أبعد من ذلك، من أدوات ضغط حقيقية، سياسية واقتصادية وقانونية، تُعيد الاعتبار لمفهوم العدالة بوصفه قيمة كونية لا تقبل الانتقائية؟
إن استمرار الصمت العملي، والاكتفاء بالشجب اللفظي، لا يضعف فقط مصداقية المنظومة الدولية، بل يُشجع على مزيد من التغول، فحين لا يُحاسب الظلم يتمادى، وحين لا تُحمى القيم تُفرغ من معناها.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأكثر قسوة، أن العدالة التي تُجزأ ليست عدالة، بل شكل آخر من أشكال الظلم المقنن.
اترك تعليقا:
