-->
مساحة إعلانية

الأربعاء، 20 مايو 2026

أسامة حراكي يكتب: مهما ادعينا النسيان



 

أحياناً أشعر أن الذاكرة ليست سوى مدينةٍ أخرى نعيش فيها سراً، مدينة لا تنام، تفتح أبوابها كلما هدأت الضوضاء من حولنا، فنمشي في شوارعها القديمة ونصافح وجوهاً غابت منذ زمن، ونسمع أصواتاً كنا نظن أنها رحلت إلى الأبد.

 

تخبئ لنا الذاكرة أشياء صغيرة لا نفهم قيمتها إلا متأخرين؛ رائحة بيت قديم، ضحكة عابرة، يدٌ كانت تربّت على أكتافنا في لحظة ضعف، أو كلمة نجت وحدها من زحام السنوات.

 

أتعجب كيف تستطيع بعض الذكريات أن تعيش أكثر منا، وكيف تبقى قادرة على إيقاظ الحنين فينا مهما ادعينا النسيان.

 

هناك أشخاص يرحلون من حياتنا لكنهم يتركون ظلالهم معلقة في التفاصيل، في الطرقات، في الأغاني القديمة، وحتى في الصمت، وربما لهذا السبب لا أخاف من النسيان بقدر خوفي من أن أفقد قدرتي على التذكر، لأن الإنسان بلا ذكرياته يصبح كغريبٍ يعبر حياته دون أن يعرف أين بدأ الحكاية.

 

ولعل أكثر ما يربكني أن الذاكرة لا تعيد الأشياء كما كانت، بل كما شعرنا بها، ولذلك تبقى بعض اللحظات أكثر دفئاً في قلوبنا مما كانت عليه في الواقع، ونظل نعود إليها كلما أثقلتنا الحياة، كأننا نفتش داخلها عن النسخة الأولى من أرواحنا.

شارك المقالة عبر:

اترك تعليقا:

الاكتر شيوعا