-->
مساحة إعلانية

الجمعة، 27 سبتمبر 2024

مقاربة تفكيك لقصيدة " لوحات فوق الأفق" للشاعرة السوريّة ميساء دكدوك بقلم الناقد التونسي : عامر علي إبراهيم

 

 


مقاربة تفكيك لقصيدة  " لوحات فوق الأفق"

للشاعرة السوريّة ميساء دكدوك

بقلم الناقد التونسي: عامر علي إبراهيم

 

1 ـ من حيث الواجهة أو سيمياء العنوان..

العنوان هو الواجهة، و عنوان القصيدة لوحاتٌ فوق الأفق حمّال لسيميائيّة تستحقّ عناء التفكيك. أمّا الأفقُ في لغة العرب فهو ما ظهر من السّماء متماسّا مع الأرض ومعناه منتهى ما يبلغه النظر من مشاهد بعيدة، والأفق في مجال المعرفة منتهى الإدراك أو أقصى ما يناله الفهم. أمّا اللوحات فلها أكثر من دلالة و رمزيّة ولمّا كانت لوحات الشاعرة فوق الأفق باتت من حيث الانطباع  كما الفجر حين ينبلج من على حدود الرؤية مبشّرا بنور يتلألأ في صعود حتى يبلغ منتهاه طاردا ما تحته من ظّلام. واللّوحات في مدلولها تدبير و تنوير وتحرير و إلهام... أمّا المتأمّل فعليه تتبّع الدلالات متى أمعن التفكير؛ ( و في معجم التراث الفكري نجد اللّوح المقدّس، ألواح موسى، لوحات الإرشاد و التحذير، لوحات الفنّ على اختلاف أجناسه).. وإن أردنا وضوحا للصورة علينا بالكشف عن مضمون اللوحات باعتماد منهج التفكيك.

2 ـ من حيث لوحات القصيدة أو الرسم بالكلمات ..

القصيدة في هيكلها مكوّنة من مجوعة لوحات قوليّة فيها الانطباعية و التقريريّة والاستقرائيّة رتّبتها الشاعرة ترتيبا كرونولوجيا استمدّته من إدراكها لحقيقة الواقع السوسيولوجي والاقتصادي وما يترتّب عنه من واقع سياسي للطبقة الكادحة في الوطن العربي.

·       لوحة  الوجه و القناع

 يَسيرُ مَرفوع الرّأسِ بين الحُشُود.

بضمير مستتر تقديره (هو) قدّمته مجهول الهويّة بمفردات تنتمي لمعجم التوقير، رسمت له بها في ذهن القارئ الصورة النمطيّة المعتادة للشخصيّة القياديّة ذات الكاريزما و الحضور المبهر في المشهد.

التوقير يبعث في ذهن القارئ حيرة السؤال.

ترى من يكون هذا المجهول ؟ و ما أهميّته؟

و لأنّ الحيرة أوّل دوافع المعرفة  و تعطيش القارئ يحفّزه على البحث عمّا يروي به عطشه للحقيقة كان المشهد الموالي مثيرا للاهتمام  إذ حمل معه توضيحات كشفت المخاتلة و منعت بها الشاعرة انزلاق المعنى إلى غير المقصود... سحبت القناع فظهرالوجه عاريا. المعطيات الجديدة كفيلة بقلب موقف القارئ من موقِّرٍ إلى مُستهجِنٍ ينبذ و يرفض هذه الشخصيّة التي سقط عنها قناعها و ظهر ما يشينها بتحوّل  المفردات من معجم التوقير إلى التحقير .

 تقول:

ذلكَ المُتسوّل في المَلاهِي و المَزادَاتِ.

يَعتلِي المِنبرَ بثوبٍ مُلطّخٍ بعَفنِ النِّفاقِ.

 

الخطاب توضيحي تقريري وصفي موجّه لكلّ باحث عن الحقيقة و مفاده:

 ـ لا تغترّ بالقناع الظاهر أيّها المتسائل فتحت القناع تسكن الحقيقة  و ذلك إحالة إلى المثل الشعبي " تَحتَ السَّواهي دَواهي".

ـ قد نتساءل هل تكفي هذه المفردات( المتسوّل، الملاهي، المزادات، الملطّخ، العفن، النفاق) ليكون مدلول المشهد مطابقا لحقيقة الوجه القبيح و يبرّر الانحياز لموقف المناهض في ذهن القارئ ؟

 للأمانة، هذا "البورتري" المرسوم بكلمات مفاتيح يفتح شهيّة المتأمّل لاستنطاق هذه "الشخصيّة المنفصمة" فهي وضيعة أمام شقّ من ناحية و متسلّطة على شقّ آخر من ناحية أخرى.

الصدمة ترنو بها الشاعرة إلى إيصال موقفها المناهَضَ للخلل القيمي و لحامله إلى القارئ فهي تنطلق من منظورها الإبداعي لتطريز لوحة الإدراك الذاتي للخلل بتتبّع سيرورة الأحداث وكانت النتيجة  خيبة و حيرة تعرضهما على المتأملين علّهم يتدبّرون مخرجا قبل الطوفان.

تقول:

لم يَقلْ شيئًا،

عدّلَ ياقةَ قميصهِ و غَاب

يُصفّقُ لهُ الفُقراء.

 

قارئ المشهد ينتبه لخاصيّات الوجه الحقيقي لهذا المجهول الممثّل لمنظومة تسلّط و المسنود بها و  الذي يتذبذب حجمه حسب المكان، فعلى منابر الكبار مثلا أقصى ما يسمح به حجم التابع صورة صامتة هي الغياب في زمن الحضور يدفع ثمنها في مزاد التحالفات باهظا، يستجديها بولاء ليسوّقها في ضفّة الفقراء أين ينتفخ حجمه بحثا عن تصفيق أجوف.

 

·       لوحة الإدراك و أذيّة الوعي..

 

هل يعتبر الإدراك تَحرّرا ؟

 الباحث عن الجواب المنشود عليه الإجابة عن الاستفهامات التي أثّثت بها الشاعرة اللوحة.

ـ   إلى متى يستمرّ الوضع معتلّا؟  

ـ   متى يتمّ تصويب السقطات المدوّية و إيقاف النزيف؟ 

ـ   إلى متى تستمرّ أذية المتسلّط في حضور الوعي؟

ـ هل الاستبداد و التسلّط قدر المستضعفين أم نتيجة تخاذلهم؟

 

هذه لااستفسارات تنبع من الوعي الفردي عند الشاعرة وتستنزف طاقتها قبل أن تغامر بالقرار الصعب.

 صورة الوعي جميلة تقابلها صورة أخرى قبيحة تمثّل الخضوع للواقع المرير.  

 هذا الواقع المختلّ مفروضا بقوّة السيطرة على الموارد ومصادرة الرأي المخالف يستمرّ في الحضور حتّى تتغيّر المعادلة.

( يقاسمني خبزي و يستبيح محبرتي)

 

و تصل الشاعرة إلى ذروة الانفعال و المعاناة حين تقرّ بالحضور التعسّفي للمجهول المتسلّط في ذهنها وما يفرزه من ترهيب مانع لكلّ فرصة تحرر.

 تقول:

( إلى متى جالسا القرفصاء في ذاكرتي؟)

 

 المشهد يحمل سيميائيّة واضحة للصنصرة الذاتيّة رغم عدم الترحيب بهذا المقيم على غير وجه حقّ. خلل يجعل المعاناة تتفاقم و تفقد الحياة معناها الطبيعي.

 

هذه الحراسة تجعل لكل فعل ردّ فعل يلغيه.

 تقول:

 

 ( كلّما أشرقت شمسي

يضع رأسها تحت مقصلة الظلام).

 

قارئ المشهد ينتبه إلى أنّ الإدراك أذيّة ما لم يكن جماعيّا لأن مقاومة السقطات لا تتمّ بالجهد الفردي و إنّما تنجح باتحاد جهود المجوعة و المثابرة على التكتّل و الدعم.   

 

·       لوحة الفارس الكاميكاز..

 

 يُقال لتُوقف اجتياح الخوف اذهب إليه، و مفهوم الكاميكاز في الثقافة اليابانيّة ينبع من هذه الفكرة و قد جسّمها في الحرب العالميّة الثانية ضبّاط قادوا طائراتهم ليفجّروها في تجمّعات قوّات الحلفاء دفاعا عن اليابان متجاوزين الخوف بتخلّيهم عن الحياة المخيفة من أجل حياة بلا خوف.

الشاعرة أثثت لوحتها باقتباس الفكرة و إلباسها ما يتوافق مع الموروث القيمي و الديني؛ حيث لمّحت لاستعدادها  لدفع حياتها ثمنا لتغيير الواقع مبدية رغبة ملحّة في التحرّر منه ومن القابلين به وبتبعاته.

 

تقول:

سَأخلعُ جَسَدي قَبل أَنْ تُحَلّقَ رُوحي

لتَسيرَ حَدبائي مُرتاحةً من ضَجيجِ..

الأيدِي ومِن بُرودة قُلوبٍ فقدتْ دِماءَها.

 

و الخَلعُ فعل تعسّفٍ فيه من معنى القلع و الاستئصال و القطع  و الانتزاع والتعرّي و التجرّد و النزع نصيب، و لمّا كان مقصودا بالخلع جسدا من روحه قبل الأجل المقدّر (تحلّق روحي) فإنّ الدلالة تتجه نحو مفهوم الكاميكاز، والمتخلّي عن روحه من أجل هدف أسمى من الوجود المنقوص يعش أكثر من أولئك الذين لا يواجهون خوفهم بالتخلّي عمّا يخافون عليه (الجسد).

 يقول في نفس السياق شاعر الخضراء أبو القاسم الشابي مخاطبا الشعب التونسي الرازح آنذاك تحت الاستعمار الفرنسي :

إذا الشّعْبُ  يَوْمَاً  أرَادَ   الْحَيَـاةَ       فَلا  بُدَّ  أنْ  يَسْتَجِيبَ   القَـدَر.

ويضيف في نفس القصيدة "إرادة الحياة" وفي نفس المنحى:

وَمَنْ  لا  يُحِبّ  صُعُودَ  الجِبَـالِ        يَعِشْ  أَبَدَ  الدَّهْرِ  بَيْنَ   الحُفَـر.

و المطّلع على شعر الشابي يكتشف أنّ الشاعرة ميساء دكدوك في قصيدتها لوحات فوق الأفق تتقاطع معه في الرؤية و الموقف وإن اختلف السياق السوسيوسياسي ( احتلال / فساد ).

 يقول معبّرا عن موقفه تجاه الخوف:

إذَا مَا  طَمَحْـتُ  إلِـى  غَـايَةٍ       رَكِبْتُ   الْمُنَى  وَنَسِيتُ   الحَذَر

وَلَمْ  أَتَجَنَّبْ  وُعُـورَ  الشِّعَـابِ       وَلا كُبَّـةَ  اللَّهَـبِ   المُسْتَعِـر.

و تتفق معه الشاعرة التي تفضّل أن تجنّب الحدباء ( وهي اللوح الذي يُحمل عليه الميت لمثواه الأخير) ملامسة الأيادي التي صفقت في المكان الخطأ و للشّخص الخطأ لأن القلوب فقدت الدماء الحارّة (و في ذلك إشارة إلى غياب خيار الثورة لدى الضحايا) و استبدلتها بأخرى باردة كـ ( تلميح للخضوع للواقع الفاسد).

·       لوحة المصير المتوقّع و مستنقع  الأذيّة و الخيبة...

عندما يصمت الضّمير الواعي يتكلّم الفساد بصوت عال و ينتشر القبح على مساحة الواقع محوّلا اتجاه سفينة المجتمع من شاطئ السلامة إلى مستنقعات العبث و تحلّ الظلمات مكان الأنوار فتكون الخيبة و المرارة حصادا متوقّعًا لفاقد البصيرة.

المقاطع الأخيرة في القصيدة  تحاكي جداريّة عبثيّة ، عدّدت فيها الشاعرة ما تراه بصيرتها من تنبّؤات غير مريحة (عددها خمسة) صاغتها بمفرداتٍ و تراكيبٍ انتقتها من معجم الغفلة  والضلال والخسران مركزة على الترابط المنطقي بين السهو والتخاذل من جهة و الغرق في الخسارة و الأذيّة من جهة أخرى.

توجه الشاعرة خطابا مباشرا للساهين فتقول:

أمَامَ أعْينكُم تَذهبُ هدرًا مُوسيقى المَاء

 و تَراتيلُ الزّهُور.

 

هذا العتاب يذكّر القارئ  بالنافخ  في الرّماد آملا في قبس من نار.

  أمّا الشاعرة فتحذّر من مشاهد مؤلمة متوقَعَة. و لعلّها بعد أن حسمت موقفها و انسلاخت عن كتلة المخاطَبين لتظهر منفردة بلوحة الفارس الكاميكاز صنعت الفارق بين الوعي و الجهالة، و على اعتبار أنّها تخلّت عن حماية الجسد من أذيّة الآخر المتسلّط فقد باتت ترى أنّها روحا محرّرة من سلطته، و أشارت  لسجناء الخوف أنّها ستتابع فصول ما سيعانونه من على الضفاف (من على الضفاف سأراكم) و الضفّة دلالتها فاصل بين عالم وآخر (الماء/ اليابسة ،الحياة / الموت ، الوعي / الجهل ...) فهي من هذا المنطلق ستكون الغائبة جسدا و الحاضرة وعيا شاهدة على ما ينتظرهم من البلاء العظيم.

تكرار عبارة "سأراكم"  في بداية كلّ مقطع شعري (مشهد استقرائي) يؤكّد ما تحمله من يقين حول تداخل و تشارك السيرورة  والصيرورة زمنا و تحوّلا.

  

و لأن الظلام سبب السقوط و الغفلة سبب الخسران والتكاسل عن صدّ الخطر ينجب الخيبة  وسفاهة الفكر و قلّة الحيلة أولّ أبواب التطبيع مع الفَساد والفُسّاد، كانت مساحة الجداريّة مكتظّة  بفصول من التشاؤم و السوداويّة ختمتها الشاعرة بمشهد سخرية مؤلمة لكنّها في منتهى الصدق حين قالت:

 " تعلّقون فشلكم على سوء الطقس و الطّالع".

وهي الشمّاعة التي يشترك في اعتمادها كلّ سكّان القاع المزدحم بالحقوق المنهوبة في الفكر العربي لتبرير الواقع المؤذي." ليس لنا حظّ"

                   

3 ـ  ملاحظات..

·       من حيث اللغة ..

تنقلت الشاعرة  في قصيدتها بين الأزمنة الثلاث بمساحات متباينة للدلالة على تسلسل الأحداث.

ـ  أفعال الماضي (عدّل، غاب) عادت على الموصوف الأول وهو رمز التسلّط والفساد في ذلك  إشارة إلى أسبقية زمنيّة أمّا ( أشرقت و فقدت) فتعود على المتكلّم أي الضمير الواعي   ـ أفعال المضارع كانت لها مساحة أكبر (يسيرـ يعتلي، يقاسم، يستبيح، يضع، يغرق) تعود دلالاتها على الموصوف الأول و ( تغرقون، تقطعون، تتثاءبون، تمشّطون ، تشكون ، تعلّقون ) تعود دلالتها على المخاطبين  وهم الضحايا المذنبون بالتخاذل.

ـ أفعال المستقبل وردت في مجملها مسبوقة بلفظ سأراكم و في ذلك تخصيص للمخاطبين  و تأكيد على يقينيّة استقراء تشكّل المستقبل انطلاقا  ممّا يميّز الحاضر( منطق السببيّة).

·       من حيث الشخصيّات:

وردت على شكل ضمائر حملت دلالات و اشتركت مع الأفعال في بناء صورة  جليّة عن الشخصيات التي تناولتها القصيدة.

هو:  ( غير معرّف بالتحديد  و معرّف بالصفات التي يحملها ) ؛الفاسد، المنافق، المتسوّل،  المتسلّط. و لعلّ هذا ما يعطي القصديّة أكثر من اتجاه.

الأنا الراوية أو السارد: شخصيّة متنوّرة  ذات وعي و ادراك تخلّت عن الخوف وانحازت للحق و العدل و التصويب وهي الشخصيّة الحاملة لمعاناة الآخر المستقيل عن واجبه.

هم : روّاد الفساد، الداعمون و المتمعّشون من المنظومة الفاسدة وحزام الأمان لرأس الفساد.

أنتم :  الساهون ، الغارقون في المستنقعات ،الخاضعون للظلام ، المجهّلون ، الضحايا..

 

4 ـ الخاتمة:

 

المنهج التفكيكي منهجا مرتكزا بشكل أساسي على التذوّق الشخصي لقارئ النصّ فهو الذي يبحث ويُضفي المعنى الذي يستسيغه على مقاطع النص الأدبي دون الاهتمام بالمعنى الذي قد يكون قصده الكاتب لأنّ الناقد في تناوله للمكتوب من النصّ ينطلق و إلى النصّ يعود و لا شيء يجبره على البحث  عن المقاصد خارج النصّ إلّا في حالات التناص لتدعيم ما يجده داخل النصّ. و قد حاولت استقراء المعاني من خلال التراكيب و المفردات و تقنية الكتابة للخروج بفهم يتوافق مع العنوان و المحتوى.

 

شارك المقالة عبر:

اترك تعليقا: