للكاتبة : نجلاء فتحي
بسم الله الرحمن الرحيم "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ"
فالبلاء : ما هو إلا إمتحان من الله عز و جل لعباده يختبر به قوة إيمانهم و صلابتهم، و قال أبو الهيثم :(البلاء يكون حسنًا و يكون سيئًا، و هو أصله المحنة)، و الفرق بين البلاء و الإبتلاء بأن كلاهما إختبار و إمتحان في الخير و الشر، و قد قال الخازن في ذلك: الإبتلاء إفتعال من البلاء، وصيغة الإفتعال هنا للمبالغة، والبلاء إختبار.
و للإبتلاء آثاره الصعبة مثل:-
----------------------------------------------
1-الإكتئاب : و هو إضطراب نفسي شائع يصيب نحو 5.0% من البالغين حول العالم، يؤدي إلي تغيرات مزاجية :كالحزن و الغضب،يثير في النفوس الشعور بالضيق و الإنهيارات النفسية و ذلك بحسب قوة و درجة البلاء و نوعيته، و قوة إيمان و جلد المبتلى.
2-و يؤدي أيضًا للهزال و ضعف المناعة و غيرها، فهو من أكثر الأسباب المؤدية للإعاقة.
3-الإصابات الروحية : كالمس و الجنون و غيرها، فقد تنتهز الشياطين عليهم لعنة الله الفرصة عند الغضب و الحزن لكي تتدخل للإنسان و توسوس له؛ حتى يوهن جسده و يضعف إيمانه ، فقد قال المولى عز وجل "إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ"
و إليكم أسباب الإبتلاءات التي تعتري الإنسان :
-------------------------------------------------------------
1- قال الحافظ بن حجر رحمه الله (الله هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار رحمته لا تبلغها أعمالهم، فقيض لهم أسباب الإبتلاء و المحن ليصلوا إليها)
2-يبتلي الله عباده لإعلاء شأنهم، و رفع درجاتهم فقد قال النبي ﷺ:" أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل"
3- يكون ذلك عقوبة معجلة بسبب المعاصي وعدم المبادرة للتوبة كما في الحديث عنه ﷺ أنه قال: "إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة"
4- أو يكون البلاء للردع و الزجر و الكف عن السيئات فقد قال المولي في كتابه :"مَنْ يَعْمَلْ سوءً يُجْزَ بِهِ" و قال أيضًا في سورة هود :"وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ"
5-يمتحن الله عباده بالفتن و البلاءات حتى يختبر درجة إيمانهم فقد قال "مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ"، فهذا الراهب اليهودي برصيصا أخذ يتعبد لله سبعين عامًا، و ما إن أغواه الشيطاه فزنا و قتل فكذب و عبد الشيطان فضل عن الطريق ليموت عاصي.
6- إشتياق الله لصوت عبده و هو يدعوه فقال تعالى" فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ "
ولهذا كله فما فعل الله شيئًا هباءً منثورا، فكل شئ بقدر و حكمة فذكر في كتابه "وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ" ، فالدنيا في طبيعتها إبتلاء و كلنا مبتلون فقال المولى "
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ"
و إليكم بعض النصائح الهامة عند التعامل مع الإبتلاءات
-----------------------------------------------------------------------
1-الصبر :فالصبر مفتاح الفرج فقال الله تعالى في كتابه "وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ"، و الصبر يكون عند اللحظة الأولى، حتى تهدأ نفسك و تقلل روعك
2-الصلاة :"وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَٰشِعِينَ"، فالصلاة تقرب العبد من ربه حتى يعرفه أكثر، فيطمئن فيربط الله على قلبه.
3-الدعاء : فوعدنا الله جل و علا بالإستجابة "وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ "، و علينا إلتماس أكثر الأوقات التي يستحب الدعاء بها، كعند نزول المطر فقد جاء في حديث سهل بن سعد أن النبي النبي صلى الله عليه وسلم قال :"ثنتان ما تردان : الدعاء عند النداء ، وتحت المطر"، و النداء يعني الآذان.
كما يستحب أيضًا الدعاء عند قيام الليل فقد قال رَسُولَ اللهِ ﷺ، : "إِنَّ مِنَ اللَّيْلِ سَاعَةً، لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، يَسْأَلُ اللهَ خَيْرًا، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ"، فالله جل و علا ينزل من السماء في ذلك الوقت يتخير الداعين و المستغفرين ليرضيهم.، و يستحب الدعاء في السجود حيث نكون من الله أقرب، و قبل التسليم من الصلاة.
4-الإستغفار: "وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ" و هو دليل قاطع بأنه أحد الأسباب الرئيسية لرفع الأذى و دفع الشر عن الفرد.
5-و النقطة الأهم هي النية على صلاح النفس، فالنفس أمارة بالسوء، و الإبتعاد عن المعاصي و عقد نية التوبة، فقد قال الحبيب ﷺ "لا يزيد في العمر إلا البر، ولا يرد القدر إلا الدعاء، وإن الرجل ليحرم الرزق بخطيئة يعملها"، و قد قال المولى في حديثٍ قدسي "يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيك بقرابها مغفرة"
6-الأخذ بالأسباب : فقد قال النبي ﷺ" لِكُلِّ داءٍ دَواءٌ، فإذا أُصِيبَ دَواءُ الدَّاءِ بَرَأَ بإذْنِ اللهِ عزَّ وجلَّ"، فعلينا بالأخذ بأسباب المشكلة لحلها فلكل منها سبب، فقد قال الله تعالى في كتابه في سورة الكهف" إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرض وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً. فَأَتْبَعَ سَبَباً" ، و لا ننسى بأن" إنَّ لربِّكَ عليك حقًّا، وإنَّ لِنَفسكَ عليك حقًّا" و هذا أمر بطاعة الله و إجتناب نواهيه و سنحاسب على أنفسنا إذ لم نسارع في إصلاحها، فقد أمرنا الحبيب بذلك عندما قال ﷺ"تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ"
6-الصدقات :"خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا"، و ذكر رسولنا الكريم ﷺ"إنّ الصدقة لتطفئ غضب الربّ"، و قال أيضًا "الصدقة تدفع البلاء، وهي أنجح دواء، وتدفع القضاء وقد أُبرم إبراماً، ولا يذهب بالأدواء إلاّ الدعاء والصدقة".
7-صلة الرحم فحدثنا الحبيب الكريم ﷺ ”إن الصدقة وصلة الرحم يزيد الله بها في العمر ويدفع بها ميتة السوء ويدفع بها المكروه والمحذور”
8-الرضا :"بَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ" و هم اللذين يرضون بما كتبه الله لهم
فالرضا هو الدرجة العالية بعد الصبر، و فيها يؤمن الإنسان بأن كل ما يحدث له خير، فلا ننسى حديث الله القدسي الذي جاء فيه "إنِّي إذا ابتليتُ عبدًا من عبادي مؤمنًا، فحمدني على ما ابْتَلَيْتُه، فإنه يقومُ من مَضجعِه ذلك كيوم ولدتْهُ أمُّه من الخطايا، ويقولُ الربُّ عزَّ وجلَّ: أنا قيَّدتُ عبدي، وابتليتُه، فأجروا له كما كنتم تجرون له وهو صحيحٌ"، و كلنا يعلم بقصة النبي أيوب عليه السلام الذي إبتلي بالمرض لمدة عشرين عامًا، خسر فيهم ثروته و أبنائه صابرًا محتسبًا، أرهق الشيطان بصبره فقال الله تعالى" إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ" فما كان جزائه حينها إلا الشفاء، و العوض الجميل بالمال و البنين.
و تذكر دائمًا أنه "لَا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا" و مهما طال ظلام سيأتي يوم و ينجلي؛ لتشرق الشمس و تنتشر أشعتها البراقة معلنة يوم جديد .
اترك تعليقا:
