على جدران المقاهي يجري اللاعبون في شاشة التلفزيون، وتنال الكرة أصناف اللطم واللبط، فيفرقع التصفيق، وتنتفخ أوداج المتابعين، أظفر بنفسي وأتسرّب إلى خارجها، حيث لا كرة ولا ما يفرحون.
أراقبهم من بعيد فأتعجب؛ كيف يمكن لقطعة جلد منفوخة بالهواء أن تحمل كل هذا القدر من الأحلام والخيبات؟ كيف تتحول إلى قضية مصيرية، فتعلو الأصوات من أجلها وتتوتر الأعصاب، وتُعقد التحالفات والخصومات؟
في المقهى يجلس الموظف الذي قضى يومه في العمل، والعامل الذي أنهكه السعي وراء الرزق، والطالب الذي أثقلته الكتب والامتحانات.. يجلسون جميعاً أمام الشاشة وكأنهم على موعد مع قدر مجهول، تسعين دقيقة تكفي لينسوا همومهم ويستعيروا حياة أخرى، يركضون فيها مع اللاعبين ويسددون معهم، ويحتجون على الحَكَم، ويحتفلون بالأهداف كما لو أنهم هم من صنعوها بأقدامهم.
لعل سر كرة القدم ليس في اللعبة نفسها، بل فيما تمنحه للناس من شعور بالانتماء، فالمشجع لا يشجع أحد عشر لاعباً فقط، بل يشجع ذكرى قديمة، أو مدينة يحبها، أو أصدقاء اعتاد أن يجتمع معهم، أو أباً أورثه عشق فريق بعينه، ولهذا يبدو الحزن بعد الهزيمة حقيقياً، كما تبدو الفرحة بعد الفوز صادقة لا تكلف فيها.
مع ذلك، فإن المتأمل للمشهد يلحظ شيئاً طريفاً؛ فالأمم التي تختلف في السياسة والدين واللغة قد تتفق على متابعة مباراة واحدة، وتجلس ملايين العيون في اللحظة ذاتها تراقب الكرة وهي تتنقل بين الأقدام، كأن العالم بكل صخبه وانقساماته، يجد في تلك الدائرة البيضاء والسوداء لغة مشتركة يفهمها الجميع.
أما أنا فأظل على مسافة آمنة من هذا الجنون الجميل، لا أحفظ أسماء اللاعبين، ولا أعرف ترتيب الفرق، لكنني أستمتع بمراقبة البشر وهم يفرحون، ففرحة الناس مهما كان سببها بسيطاً، تستحق التأمل، وأحياناً أفكر أن الكرة ليست هي الحدث الحقيقي، بل هؤلاء الجالسون حولها؛ ضحكاتهم وانفعالاتهم، وآمالهم الصغيرة التي يعلقونها على هدف قد يأتي أو لا يأتي.
عندما تنتهي المباراة وينصرف المنتصر مزهواً، ويغادر المهزوم متجهماً، تعود الحياة إلى طبيعتها، تُطفأ الشاشات، وتبرد فناجين القهوة وكؤوس الشاي، ويستعيد كل واحد همومه المؤجلة، لكن الجميع يعرف في قرارة نفسه أن مباراة أخرى ستأتي، وأن الكرة ستعود لتدور من جديد، حاملة معها وعداً جديداً بالفرح، أو سبباً جديداً للحزن، أو مجرد فرصة أخرى للهروب من ثقل الواقع لبعض الوقت.
اترك تعليقا:
