مر عام من العدوان الصهيوني على غزة، عام كنت أستحيي فيه من النظر مباشرةً إلى الشاشة عندما تأتي مشاهد أرى فيها تخاذلنا وألم اخواننا واخواتنا في فلسطين بغزة العزة، عار أبدي على كل من لا يغضب على الأقل لهذا الوضع المأساوي، الذي لا مخرج منه سوى المقاومة، فأي تخاذل هو تولي يوم الزحف وكفر بما وعدنا الله به.
عام كانت فيه ترتاح الحرب في غزة أحياناً بهدنة إنسانية هدية فوق العادة، لإعطاء جرعات التلقيح ضد شلل الأطفال، ولا يمر يومين إلا وتعود حليمة إلى عادتها القديمة، تدمر العمران والإنسان ولا تستثني من ذلك الأطفال، لكنها حرب مسؤولة لا تستضعف الأطفال، ولا تأكلهم قبل أن تُطيبهم وتسمنهم وترش عليهم ملح اللقاح!
وقبيل اسبوع من سنويتها، تخبو أصداء الترويع والتقتيل والتهديم المستمر في غزة، لنرى قنابل بوزن مئات الأطنان تسقطها إسرائيل على لبنان، أودت بأرواح شهداء كثيرين من أشقاءنا اللبنانيين، فهذه الإسرائيل الهائجة، بكم أذن ترى وبكم عين تسمع؟ وماذا تنوي بعد، فنحن جميعاً نواجه عدواً هو مثال تاريخي صارخ لوحشية الصراعات الدينية، وصفاقة الألاعيب الاستعمارية، وشراسة الطائفية العرقية، وتزييف طبيعة وقيم الديمقراطية، والارتداد بقيم التحضر إلى عصور الظلام..
من الطبيعي أن يوجد بيننا من يرفض ويقاوم لكل ذلك أو لسبب واحد من تلك الأسباب، فخلال الفترة الأخيرة تقدمت المقاومة ذات المرجعية الدينية والطائفية لأداء هذا الدور، وخلال هذه الفترة تراجع تواجد ودور وتأثير القوى الأخرى ذات المرجعية التقدمية والتحررية والمدنية، بل بكل حزن واسف تماهى بعض أجنحتها وعناصرها مع أهداف العدو، لهذا ليس غريباً أن نحيي ونقدر ونناصر من نختلف عنهم سياسياً، وهم يتقدمون بشجاعة لمواجهة عدو الجميع، الذي تقاعس آخرون عن مواجهته بما يليق من عزم وتضحية، ولهذا علينا أن نعي الآن أننا جميعاً أمام اختيار واختبار تاريخي، إما أن نتعقل وننضج جميعاً ونعمل معاً في بناء يضمنا جميعاً، نقيمه وندعمه خطوة خطوة ببصيرة وحنكة، ونستفيد من أخطائنا قبل أن نلوم الآخرين على أخطائهم، وإما أن ننتظر هيمنة واحتلالاً ينزع منا آخر ما تبقى من عناصر قوتنا.
فهذه معركة مصير ولا مجال للتناقضات الثانوية، ناهيكم عن المفتعل منها، نحن لسنا بصدد فتح أو حماس، ولا سنة وشيعة، ولا عرب وفرس... هناك عدو واحد هو العدو الصهيوني، وهذه معركة وجود وليست معركة حدود، ولا أعني الوجود الفلسطيني وحده في مقابل الكيان الاستعماري الصهيوني؛ وإنما الوجود العربي كله.
لذا فعلى كل فرد في هذه الأمة تحديد في أي الجهتين يقف، فليس هناك جهة ثالثة؛ ولسنا في يوم القيامة بعد، لذا فلا توجد هنا "أعراف" فليختر كل منا موضع قدميه حتى ولو كان يخط سطوراً عبر شاشات الإنترنت.
اترك تعليقا:
