أحمد يونس
قد يبدو العنوانُ للوهلةِ الأولى ثقيلًا على الأذهانِ ثقلًا يستدعي إعادة النظر في دعواتِ المشايخ والعلماءِ قصرَ الخوض في المسائل والأحكام الشرعية عليهم فقط، فإما أن يكون ما يقولونهُ صوابًا وإما أن يكونَ ما أسلفنا في عنوانِ هذه الأسطر هو الصواب!
في حقيقةِ الأمر، إنَّ كلا الأمرينِ يدخلُ تحتَ مظلةِ الصحةِ موافقًا لما قالهُ السادة العلماء رضيَ اللهُ عنهم جميعًا؛ ذلك أننا نحتاجُ إلى أن نتتبعَ حقيقةَ القولينِ والمعاني التي تندرجُ تحت كلياتهما قبلَ إصدارِ حكمٍ يقضي لأمةٍ أو عليها.
إنَّ المُستتبعَ لآياتِ القرآن لَيجدُ آياتٍ مُعضدةً للفكرةِ المانعةِ للناس من الخوضِ في آياتِ الله وتشريعاته؛ كقوله سبحانه "وَلا تقولوا لِما تَصفُ ألسنتكم الكذبَ هذا حلالٌ وهذا حرامٌ لتفتروا علىٰ اللهِ الكذبَ إنَّ الذينَ يفترونَ علىٰ اللهِ الكذبَ لا يُفلحون"، وكقوله سبحانه "قل إنَّما حرَّم ربيَ الفواحشَ ما ظهر منها وما بطنَ والإثمَ والبغيَ بغيرِ الحقِّ وأن تقولوا علىٰ اللهِ ما لا تَعلمون".
بينما يجدُ آياتٍ أخرىٰ تنتصرُ لعنواننا الذي أسلفناهُ هنا، وإنكَّ لتجدُ ذلك في فاتحةِ الكتاب العزيز؛ حيثُ يأمرُ اللهُ عباده أن يتضرعوا إليه أن يهديهم صراطَ الذين أنعم عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فمَن هم الضالون؟ هم الذينَ أعرضوا عن العلم الذي يأخذ بأيديهم إلىٰ اللهِ فلا يُعذرون بأي عذرٍ جعلهم يتركونه، وإنما يُجمعون مع المغضوب عليهم في آيةٍ واحدة!
ثمَّ إنكَ لتجدُ النهي في الآياتِ التي أوردناها في النوعِ الأولِ منها عن القولِ بدون علم، لا عن العلم ذاته، وتعلمه.
وإنما يكونُ محل الخلاف والنقاش إذا قامَ أحدهم قائلًا: قال الله "وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفرَ من كلِّ فرقةٍ منهم طائفةٌ ليتفقهوا في الدينِ وليُنذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون"
نقولُ له: إنها آيةٌ مخصوصةٌ بطلبِ العلم الشرعيّ، فهو شأنهُ كشأنِ الطبِّ والصيدلة والهندسةِ بل هو أشرف منهم جميعًا شأنًا ومقامًا، فليسَ مطلوبًا من كل الناس تحصيله، وإنما المعرفةُ هيَ المقصودةُ بالتحصيلِ من الكلِّ وأردنا بالمعرفةِ معرفة الأحكامِ العامةِ لما يُصادف الناسَ في تعاملاتهم اليومية.. أن يعرف الناس ما الواجباتُ المفروضةُ عليهم نحوَ الله وما المُحرماتُ التي نهى عنها سبحانه.
ولكَ أن تخيّل طبيبًا لا يعرفُ الحكم الشرعي لعمليةٍ من العملياتِ، وقد قرر ربنا أنها من المُحرمات ثم ظل طيلة حياتهِ يُخالفُ أمرَ الله مقيمًا عليها، كيف يكون حاله؟
لذلك قلنا: إنَّ معرفةَ الناسِ لأحكام حياتهم الدينية فرضٌ، والفرضُ عندنا: ما يُعاقبُ تاركهُ، ويُثاب فاعله.
فالخلاصةُ جمعًا لما تشتت من الأقوالِ ولما تناثر من الكلمات: طلبُ العلمِ الشرعيِّ أمرٌ له أحكام ومتعلقٌ بفئةٍ معينة ولا يحقُّ لغيرهم أن يَخوضَ معهم فيه إذا لم يستجمع أدواته، ومعرفةُ الناسِ لدينهم أمرٌ له أحكام ومتعلقٌ في رقابِ المسلمين جميعًا للنجاة من عذاب يومِ القيامة، وهذهِ المعرفةُ تتحصلُّ بالإنصاتِ للعلماء والدعاةِ، ولعلَّ أبرز مظاهر ذلك: يوم الجمعة وما فيهِ من الخُطَب والدعوة إلى الله، ومن ذلك الكتب الثقافية الدينية غير الأكاديمية كالكتبِ التي كتبها الشيخُ الغزالي والشعراوي ومصطفى محمود رضي الله عنهم جميعًا، ومن ذلك سؤال العلماءِ في كلِّ ما ينتوي الإنسان الإقدامَ عليه ولا يعرفُ حكمه، قال الشيخ الأخضريُّ رحمه الله "ولا يحلُّ للمسلمِ أن يفعلَ فعلًا حتى يعلمَ حُكم الله فيه، ويسأل العلماء"
قال ابنُ عاشر:
ويوقف الأمورَ حتى يعلما
ما اللهُ فيهنَّ بهِ قد حكما
وإننا لا نجدُ في كلام الناس قولًا أبلغ من قول سيدنا عليّ بن أبي طالب عليه السلام: الناسُ ثلاثةٌ: عالمٌ رَبَّانيٌّ، ومتعلِّمٌ على سبيلِ نجاةٍ، وهمَجٌ رَعاعٌ أتباعُ كلِّ ناعقٍ، يميلونَ مع كلِّ ريحٍ، لم يستضيئوا بنورِ العلمِ، ولم يَلْجؤوا إلى ركنٍ وثيقٍ.
فاللهُ يفقهنا في دينه ويُبعدنا عن القول فيه بغير علمٍ.
اترك تعليقا:
