بقلم أمل الكيلاني
بسم الله الرحمن الرحيم
(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) صدق الله العلى العظيم سبحانك ربي إختصيت نفسك بما لم نستطع إدراكه ولا أعد ذلك إلا رأفة بنا وبعقولنا التى مهما تطرقت للعلم ونهلت منه فهى جاهلة فقيرة
الانتحار تمني الموت الرغبة في الخلاص بالقتل الطوعي للنفس … قد يكون سبب كل ذلك عدم القدرة على الاندماج الإجتماعي عندما يحس الفرد بالاغتراب عن مجتمعه وأنه عاجز كليا على مسايرته وأن المتطلبات التي يفرضها عليه واقعه أكبر منه ومن قدراته.. هذا المجتمع الذي ينتمي إليه غير قادر على استيعاب طموحاته وشخصه عموما بكل تناقضاته عندما يفرض على المرء أن يعيش في بيئة لا تلائمه فإن النتيجة تكون بالانعزال والتقوقع على النفس مما قد يولد أمراضا وعقدا نفسيا غالبا ما تؤدي إلى تفكيره في خلاصه من نفسه ظنا منه أنه الحل الوحيد المتوفر لديه.
يعود الانتحار أحيانا إلى ثقل العوامل الاجتماعية وقسوتها ناهيك عن هشاشة التكوين النفسي وعجز الذات الإنسانية عن تحمل كل تلك المتغيرات الخارجية والتفاعل معها ومن ثم من وجهة نظر اجتماعية تطرق السوسيولوجي الفرنسي إميل دوركايم في كتابه ” الانتحار” عن أهم عواملها المتغلغلة في جل المجتمعات بمختلف أنماطها الثقافية ومستوياتها الاجتماعية والذي توصل إلى أن الانتحار راجع إلى سلطة المجتمع على الفرد وإلى ضعف الرابط الاجتماعي حيث أشار أن العزاب أكثر عرضة للانتحار من المتزوجين والمرتبطين وأن المجتمعات المتماسكة تقل فيها نسبة الانتحار عكس ما يسود في التي تتسم بالتفكك والفردانية.
إن تماشينا مع هذا الطرح يؤكد بالفعل أنه يمكن للرابط الاجتماعي الضعيف أن يشعر الإنسان بنوع من الفجوة بينه وبين المجتمع الذي ينتمي إليه يحس في اللحظة التي يقرر فيها الاندماج مع مجتمعه وتبني نفس الأفكار حتى يتماشى والقواعد المسطرة من طرفه بنوع من الحسرة غير قادر على الانصهار معه ويقرر التراجع وأن ينتبذ من العالم مكانا قصيا ينزوي فيه.
إن الانتحار في معناه الواسع يتجاوز مجرد إزهاق للروح والتخلص من الحياة عن عمد قد يكون شكلا من الاحتجاج على أنه أكبر من أن يعيش في حياة لا تثيره حياة كلها تعنت لئيمة هي مهما عافر لأجلها لا تلقي له سوى بالفتات الذي بالكاد يسد رمقه وهو الذي لطالما عمل بكل ذرة فيه سخر كل طاقاته لأجل نيل ما تصبو إليه نفسه التواقة إلى المعالي الحريصة كل الحرص على الارتقاء في أعلى المقامات بغية صنع ذاته وتحقيق ما قد يكسبه احترام الجميع له وكذلك ارتداء ما يأتي على مقاس قيمته من مكانة اجتماعية متميزة تليق به كإنسان خلق ليعيش بكرامة وأن يحظى بتقدير وامتياز بالغين من طرف أفراد المجتمع المنتمي إليه.
الإنسان بطبيعته طموح وذو نفس تهفو دائما إلى طلب المزيد، فيبذل من أجل نيل مرضاة مجتمعه جهدا جهيدا ويأخذ بكل الأسباب المتوفرة يسهر يتعب يجتهد يشمر على سواعده ويعمل حتى يفصد العرق من جبينه حتى يحدودب ظهره وتتهشم عظامه…ويشيخ ويهرم جسده حتى تعلوه التجاعيد ولو في سن مبكرة قد تصيبه شتى الأسقام فقط لأجل إيجاد ذاته الضائعة يحاول ويسعى كل لحظة حتى تتورم قدمه وتعتليه كل الندوب حتى يغدو إنسانا مشوها من شدة ما كسرته الحياة وما خلفته فيه يعاند ويكابر رغم كل شيء رغم القبح المستشري في واقعه، رغم ضعف الإمكانيات، يظل يحاول حتى يصل إلى النهاية.. نهاية الرحلة فيقرر الخلاص بطريقة ما فيجد في الانتحار حلا وحيدا خاصة عندما تطال الهزيمة هذا الشخص وتعمى بصيرته
اترك تعليقا:
